السيد الطباطبائي
67
تفسير الميزان
وصرفتهم عن الآخرة قليلة لو كانوا يعلمون . ثم تختم السورة بأمره صلى الله عليه وآله وسلم أن تسأله ما حكاه عن عباده المؤمنين الفائزين في الآخرة " رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين " وقد افتتحت السورة بأنهم مفلحون وارثون للجنة . قوله تعالى : " حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون " " حتى " متعلق بما تقدم من وصفهم له تعالى بما هو منزه منه وشركهم به ، والآيات المتخللة اعتراض في الكلام أي لا يزالون يشركون به ويصفونه بما هو منزه منه وهم مغترون بما نمدهم به من مال وبنين حتى إذا جاء أحدهم الموت . وقوله : " قال رب ارجعون " الظاهر أن الخطاب للملائكة المتصدين لقبض روحه و " رب " استغاثة معترضة بحذف حرف النداء والمعنى قال - وهو يستغيث بربه - ارجعون . وقيل : إن الخطاب للرب تعالى والجمع للتعظيم كقول امرأة فرعون له على ما حكاه الله : " قرة عين لي ولك لا تقتلوه " . وقيل : هو من جمع الفعل ويفيد تعدد الخطاب ، والمعنى رب ارجعني ارجعني ارجعني كما قيل في قوله : قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوي بين الدخول فحومل أي قف قف نبك . وفي الوجهين أن الجمع للتعظيم إن صح ثبوته في اللغة العربية فهو شاذ لا يحمل عليه كلامه تعالى ، وأشد منه جمع الفعل بالمعني الذي ذكر . قوله تعالى : " لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها " " لعل " للترجي وهو رجاء تعلقوا به بمعاينة العذاب المشرف عليهم كما ربما ذكروا الرجوع بوعد العمل الصالح كقولهم : " فأرجعنا نعمل صالحا " السجدة : 12 ، وربما ذكروه بلفظ التمني كقولهم : " يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا " الانعام : 27 . وقوله : " أعمل صالحا فيما تركت " أي أعمل عملا صالحا فيما تركت من المال بإنفاقه في البر والاحسان وكل ما فيه رضي الله سبحانه . وقيل : المراد بما تركت الدنيا التي تركها بالموت والعمل الصالح أعم من العبادات المالية وغيرها من صلاة وصوم وحج ونحوها ، وهو حسن غير أن الأول هو الأظهر .